ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي

32

المقتطف من أزاهر الطرف

العالم الإسلامي في مغربه ومشرقه من سقوط لمدن الأندلس في أيدي المسيحيين واحدة بعد الأخرى ، ومن اضطرابات سياسية في شمالي إفريقيا ، ومن تصارع في الشام بين الصليبيين والمسلمين ، ومن اجتياح المغول لأقصى الشرق الإسلامي حتى وصلوا بغداد عام 656 ه ودمروا فيها كل مظاهر الحكم والحضارة ، كل هذا حدث خلال حياة ابن سعيد . وربما كان والده موسى هو الذي درّبه على هذا العمل المنظم ، ولكن الذي لا شكّ فيه أنه لولا استعداد الابن الفطري لهذا ما كان الوالد قد نجح فيما أراد لابنه . كان ابن سعيد مؤرخا جوّالا ، فكان يرى من الأحداث ما يقع ، ويسمع من مشاهدى . عصره ما ينزل بالمسلمين من خطوب ، وكان من الممكن أن يظهر تأثير كل ذلك فيما يكتب ، ولكننا نلحظ عكس ذلك تماما في مؤلفاته ، إذ نراه معجبا فحسب بقصيدة قالها الشاعر المصري ابن مطروح مثلا في مديح الملك الأيوبي حين ينزل الهزيمة بالملك لويس الناسع وبحملته على دمياط ، ولكننا لا نجده يشارك في تصوير فرحته بهذا النصر وهو الشاعر المسلم ، أو على الأقل تصوير ألمه لما يقع للمسلمين من هزائم في كل مكان . قد يكون ديوانه المفقود فيه شيء من هذا ونحن لا نعلمه ، ولكن الذي ألاحظه أن ما وصل إلينا من شعره في بطون الكتب وهو ليس بقليل يجعلنا نحس بأن الرجل يقف موقف المتفرج أكثر منه من موقف المشارك من كل هذه الأحداث . أما شعره فهو إما حنين لوطنه الأول في غرناطة أو تصوير لمتعته واستمتاعه بمظاهر الترف والحضارة في مدن العالم الاسلامي التي تجول فيها ، كما فعل وهو في تونس أو في مصر أو في الشام « 1 » ، وقد تكون بعض قصائد المديح التي ينشرها في ملوك العصر لا تخرج عن الهدف المصلحى منها وهي أن يكرمه هؤلاء الملوك وأن يجزلوا له في العطاء . ويظهر أن صديقه ابن العديم كان يعرف فيه ذلك ، إذ حينما دعاه معه إلى حلب

--> ( 1 ) أنظر النفح 2 / 262 وما بعدها